أحمد بن يحيى العمري

16

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

وبسطني ، وتلطّف بي ، وقال أنشدني ، فأنشدته من عيون أشعار أحفظها ، جاهلية . فقال : قد عرفت أكثر هذه ، وأريد من ملح الشعر ، فأنشدته فضحك وطرب وزاد بساطا . ثم دخل رجل في زيّ الكاتب ، وله هيئة خشنة ، فأجلسه إلى جانبي . وقال له : تعرف هذا ؟ فقال : لا ، فقال : هو أبو عبيدة ، علّامة أهل البصرة ، أقدمناه لنستفيد من علمه ، فدعا له الرجل ، ثم التفت إليّ ، وقال لي : كنت إليك مشتاقا ، وقد سألت عن مسألة ، أفتأذن لي أن أعرّفك إياها ، فقلت : هات ، فقال « 1 » : قال اللّه تعالى : « طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ « 2 » » ، وإنما يقع الوعد والإيعاد بما قد عرف مثله ، وهذا لم يعرف . قال : فقلت : إنّما كلّم الله تعالى العرب على قدر كلامهم ، أما سمعت كلام امرئ القيس : [ الطويل ] أتقتلني والمشرفيّ مضاجعي * ومسنونة زرق كأنياب أغوال « 3 » وهم لم يروا الغول قطّ ؛ ولكنّه لمّا كان الغول يهولهم أرعدوا به ، فاستحسن الفضل ذلك واستحسنه السائل . وأزمعت من ذلك اليوم أن أضع كتابا في القرآن لمثل هذا وأشباهه ، ولما يحتاج إليه من علمه . فلمّا رجعت إلى البصرة عملت كتابي الذي سميته ( المجاز ) ، وسألت عن الرجل فقيل لي هو من كتّاب الوزير وجلسائه . وقال المازني : سمعت أبا عبيدة يقول : أدخلت على الرشيد فقال لي يا معمر بلغني أنّ عندك كتابا في صفة الخيل ، أحبّ أن أسمعه منك ، فقال الأصمعي : وما نصنع بالكتب ؟ يحضر فرس ، ونضع أيدينا على عضو عضو منه ، ونسميه ويذكر ما فيه . فقال الرشيد : يا غلام . فرس . فقام الأصمعي ، فجعل يده على عضو عضو منه ، ويقول هذا كذا ، قال فيه الشاعر كذا ، قال فيه الشاعر كذا حتى انقضى قوله . فقال لي الرشيد ما تقول فيما قال ؟ قلت : أصاب في بعض وأخطأ في بعض ، والذي أصاب فيه متى تعلّمه ، والذي أخطأ فيه ما

--> ( 1 ) وردت في المخطوطة : فقلت ، وبها لا يستقيم المعنى . فأبدلناهها ب : فقال . ( 2 ) الصافات 37 / 65 . ( 3 ) ديوان امرئ القيس ، 33 .